سيد محمد طنطاوي
107
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : ما دام الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فاترك هؤلاء الكافرين ، ليخوضوا في باطلهم ، ويلعبوا في دنياهم ، ولا تلتفت إليهم . ودعهم في هزلهم ولهوهم * ( حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ) * وهو يوم القيامة الذي لا شك في إتيانه ووقوعه . وقوله * ( يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْداثِ سِراعاً ) * بدل من * ( يَوْمَهُمُ ) * . والأجداث جمع جدث - بفتح الجيم والدال - وهو القبر . أي : اتركهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم المحتوم . وهو اليوم الذي يخرجون فيه من قبورهم مسرعين إلى الداعي . * ( كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ) * والنصب - بضمتين - حجارة كانوا يعظمونها . وقيل : هي الأصنام ، وسميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها ويقيمونها للعبادة . * ( يُوفِضُونَ ) * أي : يسرعون . يقال : وفض فلان يفض وفضا - كوعد - إذا أسرع في سيره . أي : يخرجون من قبورهم مسرعين إلى الداعي ، مستبقين إليه ، كما كانوا في الدنيا يسرعون نحو أصنامهم وآلهتهم لكي يستلموها ، ويلتمسوا منها الشفاعة . * ( خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ ) * أي : يخرجون من قبورهم ، حالة كونهم ذليلة خاضعة أبصارهم ، لا يرفعونها لما هم فيه من الخزي والهوان . * ( تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) * أي : تغشاهم ذلة شديدة ، وهوان عظيم . يقال : رهقه الأمر يرهقه رهقا ، إذا غشيه بقهر وغلبة لا يمكن له دفعها . * ( ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ) * أي : ذلك الذي ذكرناه من الأهوال ، هو اليوم الذي كانوا يوعدونه في الدنيا على ألسنة الرسل ، والذي كانوا ينكرون وقوعه ، وها هو ذا في حكم الواقع ، لأن كل ما أخبر اللَّه - تعالى - عنه ، فهو متحقق الوقوع . كما قال - سبحانه - في أول السورة : سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ . لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَه دافِعٌ . وهكذا افتتحت السورة بإثبات أن يوم القيامة حق ، واختتمت كذلك بإثبات أن يوم القيامة حق . وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . كتبه الراجي عفو ربه د . محمد سيد طنطاوي